عبد الوهاب الشعراني
187
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
أرسل اللّه بها رسله إليهم ، وقال إن طلبتم القرب من حضرتي من غير باب ما شرعته لكم لا تزدادون من حضرتي إلا بعدا ، فقالوا سمعا وطاعة ، فلا زالوا يعملون بالشريعة ، ودائرة الخلق تضيق بنقص أفرادها التي تكثر بها الوجود واحد بعد واحد ، ودائرة الحق تتسع حتى يرجعوا إلى الحال الأول فلا يرون إلا اللّه . فلا يقال فلأي شيء ما أوقف اللّه تعالى عباده في الحضرة التي شردوا عنها أولا وأغناهم عن هذا التعب . لأنا نقول ما سبق العلم أن يكون الرقي في الدرجات إلا على هذا الحكم ، ولا يقال في سبق العلم لم ؟ بل الأدب أن العبد يتطلب الحكمة في ذلك من اللّه تعالى ، فإذا أطلعه على الحكمة رأى أن ما فعله الحق بعباده أكمل في وجوه المعارف . وتأمل حكمة الإسراء به صلى اللّه عليه وسلم إلى الأفلاك العلى تعثر على ما أومأنا إليه . وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وقد روى البيهقي منقطعا عن علي بن أبي طالب ، وقال الحافظ المنذري : الأشبه عندي أنه من قول ذي النون المصري رضي اللّه عنه عن أبي سليمان الداراني قال : سئل علي بن أبي طالب لم كان الوقوف بالجبل ولم يكن بالحرم ؟ فقال : لأن الكعبة بيت اللّه والحرم باب اللّه ، فلما قصدوه وافدين أوقفهم بالباب يتضرعون ، قيل يا أمير المؤمنين ، فما معنى الوقوف بالمشعر الحرام ؟ فقال لما أذن لهم في الدخول إليه أوقفهم بالحجاب الثاني وهو المزدلفة ، فلما أن طال تضرعهم أذن لهم بتقريب قربانهم بمنى ، فلما أن قضوا تفثهم ، وقربوا قربانهم ، وتطهروا بها من الذنوب التي كانت عليهم أذن لهم بالزيارة إليه على الطهارة ، فقيل : يا أمير المؤمنين ، فمن أين حرم عليهم صيام أيام التشريق ؟ فقال : لأن القوم زوار اللّه تعالى وهم في ضيافته ، ولا ينبغي للضيف أن يصوم بغير إذن رب المنزل الذي أضافهم ، فقيل : يا أمير المؤمنين ، فما تعلق الرجال بأستار الكعبة ، لأي معنى هو ؟ فقال : هو مثل الرجل إذا كان بينه وبين صاحبه جناية فيتعلق بثوبه ويتنصل إليه وينخدع له ليهب له جنايته . واللّه تعالى أعلم . [ الحث على المبادرة لرمي الجمار : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نبادر لرمي الجمار إيمانا حتى تنكشف لنا حكمتها جهارا ، ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم لمن قال له : « يا رسول اللّه ما لنا في رمي الجمار ، فقال : تجد ذلك عند ربّك أحوج ما تكون إليه » . لما علم أن السائل لا يتعقل حكمتها ، وربما امتحن الحق تعالى عباده في أمرهم بما لا يتعقلون حكمته كرمي الجمار وتقبيل الحجر الأسود وكإضافته إلى نفسه تعالى ما يحيله العقل بدليله كالنزول إلى سماء الدنيا ، وغير ذلك من آيات الصفات وأخبارها لينظر كيف يعملون ؟ هل يؤمنون بما أضافه الحق تعالى إلى نفسه على ألسنة رسله وإن لم يتعقلوه ؟ أم